الرئيسية / اسلاميات / خطب الجمعة / خطبة الجمعة مكتوبة عن اسباب وحكم الانتحار

خطبة الجمعة مكتوبة عن اسباب وحكم الانتحار

[b id=”a1″]عناصر الخطبة[/b]
  • مفهوم الانتحار.
  • من أسبابه وبواعثه.
  • حكم الانتحار.

فقد برزت في السنين الأخيرة ظاهرة الانتحار؛ وهو أن يتعمد الإنسان قتل نفسه. وكنا نسمع عن هذه الظاهرة في المجتمعات الغربية الشاردة عن الله -تعالى- والتي طغت عليها المادة في كل نواحي الحياة، وحينما تسجل أرقام في هذا الشأن تكون الدول الأكثر ترفاً وارتفاعاً في مستوى دخل الفرد هي الأعلى نصيباً في الانتحار؛ غير أننا الآن نسمع كثيراً عن ذلك في بلد التوحيد، ومنطلق الدعوة، ومبعث الرسالة! فماذا دهانا؟!.

[b id=”a2″]الخطبة الأولى[/b]

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: أيها الناس؛ فقد برزت في السنين الأخيرة ظاهرة الانتحار؛ وهو أن يتعمد الإنسان قتل نفسه.

وكنا نسمع عن هذه الظاهرة في المجتمعات الغربية الشاردة عن الله -تعالى- والتي طغت عليها المادة في كل نواحي الحياة، وحينما تسجل أرقام في هذا الشأن تكون الدول الأكثر ترفاً وارتفاعاً في مستوى دخل الفرد هي الأعلى نصيباً في الانتحار؛ غير أننا الآن نسمع كثيراً عن ذلك في بلد التوحيد، ومنطلق الدعوة، ومبعث الرسالة! فماذا دهانا؟!.

عباد الله: ليس بين الله -تعالى- وواحدٍ من خلقه حسب ولا نسب، وسنن الله -سبحانه- لا تجامل أحداً، والمحسوبيات ليس لها ميزان في الشرع، فمن اتقى الله وأطاعه سعد ونجا، ومن عصاه شقي وهلك.

أيها المسلمون: ما أسباب الانتحار؟ وما حكمه، وما الوسائل المناسبة للحد منه أو منعه؟ إن إدراك ومعرفة أن الله -جل وعلا- قدر أن تكون هذه الحياة مركبةً على كبد، ومنطويةً على تعب، والتعامل معها يكون بإدراك ذلك يقيناً، فلا يفاجأ بعد الفرح بترح، وبعد السعادة بألم ونكد؛ لكن على المؤمن أن يوطن نفسه، ويتذكر قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر -رضي الله عنه-: “يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ أليس يصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به”، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: “وإن الفَرَجَ مع الكرب، وإن مع العسر يسراً”، وقول الله -تعالى-: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح:5-6]، وفي هذا بشارة أنه كلما وجد عسر وصعوبة، فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر فأخرجه، ولن يغلب عسرٌ يسرين. فالحمد لله.

من أسباب الانتحار -عباد الله- أن علاقة البعض مع ربه أشبه ما تكون علاقة نفعية، فيظل يدعو ربه لضرٍ نزل به، أو حاجة يرجوها، فإذا نال مطلوبه توقف وفترت صلته بالله، وكان المتعين عليه أن يواصل ويستمر في كثرة تضرعه لربه في السراء والضراء، فليس أحدٌ له غنىً عن الله -تعالى-، ومن تعرف إلى الله في الرخاء عرفه في الشدة.

ومن التضرع المداومة على الأذكار اليومية الثابتة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في كل مناسبة، والحرصُ عليها، ومنها قراءة سور المعوذات وغيرها مما أثبته العلماء في الكتب والكتيبات الخاصة بالأذكار.

والسبب الثالث من أسباب الانتحار: كثرة الأمراض النفسية وفشوها، بدليل كثرة العيادات النفسية والأطباء النفسيين، بل وامتهان القراءة على المرضى، حتى لو لم يكن القارئ مؤهلاً لذلك، الأمر الذي أضاف إلى قوائم المرضى النفسيين نوعيتين من الناس هما: المقروء عليه، والقارئ نفسه الذي -كثيراً- هو بحاجة إلى من يقرأ عليه! نسأل الله العافية.

والسبب الرابع: إشغال النفس بحال الآخرين ومراقبتهم، والغفلةُ عن نفسه، وانشغالهُ بالآخرين يوقعه في محاذير ومخاطر كثيرة منها: تركه نفع نفسه، والوقوع فيما لا يعنيه؛ والصواب والسنة والخير والراحة في تركه ما لا يعنيه، و”من حسن إسلام المرء تركه ما يعنيه” كما صح عن الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-، وصح عنه أيضاً: “احرص على ما ينفعك”.

ومن أسبابه -أيضاً- أن بعض العمال الذين تغرَّبوا عن أهلهم وأوطانهم يظن أحدهم أنه سيكوّن ثروةً عما قريب، فإذا هو مرهق بالديون، إما لقلة راتبه، أو ظلم كفيله له بتأخيره صرف راتبه، أو أن كفيله يسيبه حراً ويفرض عليه مبلغاً شهرياً، فيعجز عنه، مما يسبب له إحباطاً، قد يلجأ بعضهم إلى الانتحار هروباً من خزان الهموم الذي يسبح فيه.

وسبب خامس هو أن بعض الشباب له طموحات تعانق السحاب، لكنه -في الوقت نفسه- لا يقدم عملاً، أو أنه يكد ويكدح ويلهث ولكن دون المستوى الذي يؤمله، فيصاب هو الآخر بإحباط، فيوحي إليه الشيطان أن الحل الأفضل له التخلصُ وسرعة الخروج من هذه الدنيا.

والسبب السادس: يتوسع بعض الناس في مصاريفه المعيشية فيُثْقَل بالديون مقابل عدم وجود دخل يغطي ويقضي ديونه، فإذا اجتمع مع ذلك غلبة شيطان وزوجةُ سوء، ضاقت عليه الدنيا بما رحبت.

ومن الأسباب -أيضاً- سوء العشرة الزوجية، وتمكن الخلافات، وكثرة الخصومات بين الزوجين، بحيث تفرز جواً لا يطاق من القلق، يرى أحدهما أن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو الانتحار.

والسبب الثامن، وهو من الأهمية بمكان، أن يقترف شخصٌ، ذكراً أم أنثى، ذنوباً كبيرة، كالزنا، ثم يحرقه ألم المعصية، ولا يجرؤ أن يسلم نفسه للقضاء الشرعي لإقامة الحد عليه، كما أنه يضعف عن إحداث توبة صادقة بينه وبين الله -تعالى-، فيعمد إلى إقامة الحد على نفسه بالانتحار.

والسبب التاسع: طغيان المادة على أذهان الكثيرين، يدفعهم أن تكون حساباته مادية بحتة، فإذا هو يسعى ليلاً ونهاراً في سبيل رفع مستواه المعيشي، ثم يجد نفسه في نهاية الأمر لم ينل أربه، فييَأس ويظن أن كل جهد يقدمه عبثٌ لا فائدة فيه.

هذه -أيها المسلمون- بعض أسباب الانتحار، وهناك غيرها أيضاً.

يظن المنتحر أنه ترك الشقاء والتعب، ينشد الراحة بعد قتل نفسه، ولم يدر ماذا وراء القبر، والمرحلةَ التي هو مقبل عليها! إنها الشقاء الطويل، والعذابُ الأليم الذي يهون أمامه كبد الدنيا ونصبها. فما حكم الانتحار؟.

من المعلوم أن نفس الإنسان ليست ملكاً له على وجه الحقيقة، وإنما هي بمثابة الوديعة أو العارية عنده، لأنها ملك خالقها وهو الله -جل جلاله-، وليس من حق الإنسان، وهو بمثابة الوديع أو المستعير، إتلاف ما استودعه الله، إلا إذا أذن له الله -تعالى- بذلك، كما في الجهاد.

وقد دل على تحريم الانتحار قوله -تعالى-: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء:29]، وما جاء في السنة من رواية الإمام مسلم عن سهل بن سعد الساعدي أن رجلاً أبلى بلاء حسناً في قتال المشركين، فقال بعض المسلمين: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أما إنه من أهل النار”. فقال رجل من القوم: أنا أصاحبه، فخرج معه، كلما وقف، وقف معه، وإذا أسرع، أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحاً شديداً فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أشهد أنك رسول الله. قال: “وما ذاك؟”، قال الرجل الذي ذكرت آنفاً أنه من أهل النار فأعظم الناس ذلك، وذكر قصته معه، وأنه قتل نفسه نهاية الأمر.

بارك الله لنا…

[b id=”a3”]الخطبة الثانية[/b]

الحمد لله الرؤوف الرحيم الرحمن، الكريم الحكيم المنان، ذي الجلال والإكرام، لم يخلق الخلق عبثاً، ولم يتركهم سدىً؛ وإنما ليبلوهم أيهم أحسن عملاً.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في خلقه وحكمه وتدبيره، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: أيها المسلمون، فإن الانتحار حرام في شرع الإسلام؛ لأنه إتلاف للنفس ممن لا يملكها، وبغير إذن من مالكها، وفي الانتحار جبنٌ وفرارٌ من مسؤولية المسلم في الحياة؛ وهي الإسهام في إقامة دين الله -تعالى- في الأرض.

روى البخاري في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “من قتل نفسه بشيء عُذب به في نار جهنم”، قال الحافظ ابن حجر: جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم، لأن نفسه ليست ملكاً له مطلقاً، بل هي لله -تعالى-، فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه -أي: يطعن بها بطنه- في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه -أي: يشربه في تمهل ويتجرعه- في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً”. والخلود الوارد في الحديث، إما أنه محمولٌ على من فعل ذلك مستحلاً مع علمه بالتحريم، فهذا استحل شيئاً حرمه الله -تعالى- فهو إذاً كافر، وعقوبة الكافر الخلود في النار، أو أن المراد بالخلود طولُ المكث في نار جهنم لا الإقامة الدائمة فيها، أجارنا الله منها.

ومن يستطيع تحَمُّل لسعة من لسعاتها؟ فكيف بالمكث فيها ولو لحظات؟ وما بالكم بالمكث فيها طويلاً؟ فوا الله! إنه لشرٌ وعذابٌ كافٍ!.

أو أن المراد بالخلود الوارد في الحديث أن جزاء قاتلِ نفسِه الخلود، ولكن تكرم الله -تعالى-، فأخبر أنه لا يخلد فيها مسلم.

وكل الأقوال الثلاثة أقل ما فيها المكث والبقاء في النار طويلاً…

وفي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “خرج برجلٍ فيمن كان قبلكم قرحة، فلما آذته انتزع سهماً من كنانته، فنكاها –أي: قشرها وخرقها وفتحها استعجالاً للموت- فلم يرقأ الدم –أي: لم ينقطع- حتى مات، قال ربكم: قد حرمت عليه الجنة”.

إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله…

وصلوا وسلموا على محمد بن عبد الله، فقد أمركم الله لذلك في القرآن فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب:56].

اللهم صل على محمد…


عن الهام الرويلي