الخيمياء

الخيمياء

ليس الخميائي هو ذلك الشخص الذي يثير الاستغراب والذي يتصاعد الدخان من مغارته أثناء إذكائه للنار المشتعلة تحت مقطرته أو أثناء فكه لطلاسم غامضة كما أنه ليس ذلك الدجال الذي يستغل سذاجة معاصريهه ليبيعهم إكسيرا أو ترياقا سحريا لشفاء كل الأمراض أو لتمديد سنوات العمر والزيادة فيها فذلك المغامر المفتون الذي يدعي معرفة الوسيلة التي يتم بواسطتها تحويل المعادن الخسيسة الى ذهب بفعل تلك المادة القادرة على خلق المعجزات المسماة حجر الفلاسفة , هو شخص يمارس الخيمياء ولا يمارس النصب والإحتيال .

كان القدماء يرون أن الآلهة هي مصدر العالم ومع ذلمك فإن طاليس لم يكن مقتنعا بتلك الفكرة وكان يرى أن كل شيء يصدر عما كان يسميه الماء الأساسي , وكان فيتغورس يرى أن العالم منسجم لأنه محكوم بواسطة الأعداد فالعدد 4 يرتبط بطبيعة الحال بالعناصر الأربعة هي النار و الهواء و الماء و التراب, ويتتم أرسطو نظرية العناصر الأربعة بنظرية الكيفيات الأولية التي هي الحار و البارد و الجاف و الرطب وهكذا تكون العناصر عبارة عن أمزجة يمكن أن تتحول الى بعضها البعض إذا ما نحن قمنا بتغيير إحدى كيفياتها الأولية .

ومما لا شك فيه أن كل ماسبق ذكره يبدو لنا ثمرة خالصة من ثمار التأمل المجرد وهذه الإدعاءات التي لا تستند على أية تجربة أو فحص تثير فينا اليوم شعورا بالحنق أو بالسخرية لأنها تناقض الفكر العلمي الذي تشبعنا بروحه , وتجعلنا ندرك مدى الاختلاف الذي يفصل بين تفكير القدماء وتفكيرنا ومع ذلك فإن النهل من مثل تلك المعرفة هو الذي أدى الى تشييد صرح الجانب الفلسفي من الخيمياء .

ولدت الخيمياء الغربية بأرض مصر وازدهرت بالإسكندرية وفي هذه المدينة التي كانت تحكمها الأسرة البطليمو وقد إزدهرت الثقافة بتلك  المدينة وامتد إشعاعها طوال ثمانية قرون , إن الخيمياء الاسكندرانية التي تسمى الفن المقدس كانت قد إقتبست مذهبها من معتقدات مصر القديمة ومزجت كل ذلك بالمعارف العلمية التي أدخلها الحرفيون الكلدانيون المهرة وكانوا يعتقدون اعتقادا جازما بتأثير الكواكب فإن الخيمياء وجدت نفسها من هذا المنطق مرتبطة بعلم التنجيم .

خيمياء العصر الوسيط

يعود الفضل الى العرب في إنتقال الخيمياء من الإسكندرية الى أروبا وكلمة alchimie ذاتها ذات رنة عربية حيث يلاحظ أن بعض الكلمات الأروبية تتضمن حرف التعريف العربي ال , ومن بين الخيميائيين العرب إبن سينا وجابر بن حيان ويعزى الى هذا الأخير اكتشاف الأحماض المعدنية مثل حامض الكبريت  وحامض النتريك , وقد إكتشف العربق أيضا الماء الملكي وقد أطلق عليه هذا الاسم لقدرته على تحليل الذهب الذي يعتبر ملك الفلزات كما إكتشفوا ثاني كلورور الزئبق والعديد من أنواع كبرتور الكربون الفلزية .

لقد كان الخيميائيون يماثلون بين سبعة فلزات يرتبونها انطلاقا من الحديد الأقل كمالا الى الذهب وكان لكل فلز رمز يطابق اسم كوكب ما كما كانوا يرون أن كل الفلزات تنتج عن مصدر واحد هو المادة الأولية وأنها جميعا تسعى بشكل عفوي نحو الكمال لكن مجرد ببلوغها مستوى الذهب تعود من جديد الى مستوى الحديد وفق دور لا نهاية له , ونشير هنا الى أسماء بعض الخيميائيين ذائعي الصيت الذين عاشوا خلال العصر الوسيط أمثال ألبير الكبير المعروف أيضا باسم الدكتور الكوني والراهب الفرنسيسكاني روجي بيكون الذي كان أهل زمانه يطلقون عليه اسم الدكتور العجيب والطبيب أرنودي فيلونوف .

ويصف الطبيب أرنودي فيلونوف  في مؤلفه شجرة وردة الفلاسفة بدقة وبلغة رمزية يستعصي علينا إدراكها في غالب الأحيان كل العمليات التي تقود الخيميائي نحو حجر الفلاسفة وهو ما يسميه الخيميائي نحو المنتوج الأكبر وتدخل طريقته المبنية على أساس الننظرية االقديمة الخاصة بالفلزات التي تنتج عن إتحاد ممبدأي الكبريت و الزئبق , زئبقا فلزيا نذيب ففيه مادة أساسية وقليلا من الذهب ثم نسخن المزيج لمدة طويلة ونقوم بعمليات التقطير والتكثيف والتصعيد والغسل ثم نكرر هذه العمليات عددا من المرات ونحصل في كل مرة على منتوج يكون أسود تارة ثم أبيض و أصفر وفي خاتمة المطاف يتخذ اللون الأحمر الذي هو لون المنتوج المنجز لون حجر الفلاسفة , ويجب أن يكون جزء من هذه المادة النفيسة كافيا لتحويل كمية كبيرة من الفلز العادي الى ذهب أو فضة .

خيمياء عصر النهضة

طبع عصر النهضة ظهور طبيب كبير جراح وفيلسوف فلكي و خيميائي كان كان يدعى باراسيلص ولد بإتسيل وتلقى تربية تقوم على الثقافة الكلاسيكية والتعليم العلمي وقد سافر عبر أوربا شرقا وغربا يعالج المرضى ويقوم بالعمليات الجراحية لمن هم في حاجة إليها وبإجراء العديد من التجارب و إكتشاف أدوية جديدة ومركبات كيميائية لم يسبقه إليها أحد وإليه يرجع الفضل في إكتشاف المخدر المعروف بالأثير الكبرتيك , وقد أضاف الى مبدأي الكبريت والزئبق مبدءا ثالثا هو مبدأ الملح لكنه دحض نظرية العناصر الأربعة ومعه عرف الطابع الفلسفي للخيمياء تطو كبيرا .

وقد كان لباراسيلص تأثير بالغ على كل أولائك الذين مارسوا الخيمياء من بعده حتى أيامنا هذه , عرف الفن الخيميائي في بداية القرن السابع عشر ازدهارا كبيرا في كافة البلدان الأروبية وتعرض العديد من الخيميائين لأنواع شتى من العذاب حيث كانوا يتعرضون للاعتقال و البطش للضغط عليهم بهدف البوح بأسرارهم بل وكان يدفع بهم أحيانان للإنتحار , وفي بداية القرن الثاتلث عشر بدأت الخيمياء تتعرض للقيل والقال بالرغم من أن بعض العلماء الكبار الذين خلدوا ذكرهم في تاريخ العلوم أمثال نيوتن و بويل و ليبنتز استمروا في الاعتقاد بإمكانية تحول الفلزات الرخيصة إلى أخرى نفيسة .

عن هالة تاغزوت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *